المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللغة العربية الفصحى وصراع اللهجات


raed_matrex2010
11-21-2007, 06:41 PM
اللغة.. هي من أهم عوامل تشكيل الأمم، فهي وعاء الفكر وأداة التعبير والتواصل وهي مستودع ذخائر الأمة ومخزونها الثقافي والتراثي..
إنها الوطن.. الذي يصنع الوجدان ويحرك التفكير ويترجم الاحساس، وهي الهم المشترك الذي حرك فينا الشعور بالمسؤولية لمناقشة هكذا قضية تعتبر من اهم القضايا التي تاهت في دهاليز حقائق العصر والمعاصرة، وطرحت شكواها على شواهد المشهد الثقافي العربي.
ألا وهي الاشكالية الكبيرة المتمثلة في الاستساغة الفعلية لمدى فعالية وجود العامية او العربية الملحونة بين ظهراننا ورغماً عن انوفنا وتأكيد وسائل الاعلام على الرغبة في تفعيل وجود ذلك الكيان الطارىء على ساحة المشهد الثقافي العربي، وكأن الأمر ملهاة لاغرو في ممارستها لبعض الوقت ونسينا الأجيال التي حيناً بعد حين ستذوب على لسانها الناطق بالعربية الفصحى.. الروح الحية لهذه اللغة..
لتحل محلها.. لهجة ولاد البلد، كما يقول عنها الاشقاء في مصر، أو كما يحلو لبعضهم تسميتها باللهجات السوقية او المحكيات، وساعتها سنعايش مرحلة من التوحش اللغوي الغظ، ونفتقد السموفي التعامل مع لغة عربية راقية.. تعكس مدى تحضر الشخصية العربية التي تحمل على صدرها ذلك الوسام الرفيع المستوى..؟!
إن الدعوة الى العامية تمتد بجذورها في التاريخ، وقد لعب المستشرقون دوراً بالغ الخطورة والأثر في الدعوة لذلك.. وكان اول من دعا الى التحول من الفصحى الى العامية المستشرق الالماني ولهام سميث.. الذي كان مديراً لدار الكتب المصرية خلال الثلث الاخير من القرن التاسع عشر الميلادي وجاءت دعوته تلك وسط شعور عربي غائب عن مدى الخطر القادم..
> الدكتور. عبدالعزيز المقالح.. الشاعر والناقد والاستاذ الجامعي المعروف أكد ان الغياب شبه التام للشعور العربي لدى القائمين على هذه الاجهزة لاسيما في لبنان الشقيق حيث تكاد اللغة المعمول بها في فضائيات هذا البلد باستثناء فضائية واحدة هي مايسمى باللهجة (المحكية اللبنانية) وخطورة هذا الاتجاه ليس على اللغة العربية وحدها، وانما على وحدة الأمة ثقافياً وروحياً الى مايمكن ان يقوده هذا التصرف غير المسئول من تحويل الوطن العربي الواحد الى اوطان متعددة ذات لهجات مختلفة، وهو ماظلت القيادات الفكرية والعلمية في هذه الأقطار تقاومه بشدة..
ومن المؤكد ان هذه الظاهرة «ظاهرة استخدام اللهجات» سوف تختفي في وقت قريب.. وستسود اللغة الوسطى السائدة في معظم الفضائيات والاذاعات العربية، والملاحظ ان مستوى الخطاب التللفزيوني والاذاعي قد عمل على ترقية اللهجة العامية والوصول بها الى مشارف الفصحى.. وهي خطوة مهمة شاركت فيها الصحافة وقامت المدارس والجامعات بدور كبير في الوصول بها الى هذا المستوى حيث اصبح رجل الشارع والفلاح كلاهما يتحدث بلغة قريبة من الفصحى، كما صار الجميع يستوعبون أحاديث التلفزيون والأخبار بوضوح تام..
وإذا استثنينا بعض المفردات المحلية والمغرقة في محليتها فإن اللهجات العربية كلها ذات أصل فصيح، ومايباعد بينها وبين الفصحى كثيراً إستخدامها للتسكين وبعدها عن قواعد النحو العربي وهو شأن جميع اللغات في العالم.. فاللغة الانجليزية مثلاً ليست واحدة عند جميع المتكلمين بها في بريطانيا فهناك مستويات (أدبي وعلمي) ومستوى شعبي، ولكن هذا التمايز في الأقطار العربية يصل إحياناً الى درجة كبيرة غير مقبولة ولامعقولة لاسيما من الاقطار التي تعرضت لإحتلال مادي ولغوي كالجزائر مثلاً..
> الكاتب العربي المعروف نور الدين بليبل في حديثه عن الإرتقاء بالعربية في وسائل الإعلام يرى أن الإشكالية الكبيرة ليست باحتلال العامية لكثير من وسائل الإعلام أو اللحن بالعربية وإشاعة اللحن في ألسنة وعقول المتلقين فقط، ولقد بدأت العامية بالتراجع أمام إرتفاع نسبة التعليم وإنحسار الأمية وإنما الاشكالية الأساس أيضاً في إختيار المفردات اللغوية والأسلوب المناسب لأنواع الأوعية الإعلامية من مقروءة ومسموعة ومرئية ولطبيعة المادة الإعلامية وفنون التعبير من خبر وتقرير واستطلاع ومقابلة وحوار وتعليق... الخ، وطبيعة المضامين الإعلامية حيث يمتد الاعلام اليوم ليغطي جوانب الحياة والمساحات الإنسانية جميعها...!!
الفضائية اليمنية تعتبر واحدة من المسؤولية عن هكذا بإعتبارها واحدة من بين عشرات القنوات الفضائية العربية كان لابد لها من طرح وجهة نظر.
> المسؤول الأول في هذا القطاع الهام.. عبدالغني نصر الشميري- رئيس قطاع التلفزيون.. الفضائية والقناة الأولى، أرجع السر في مزاحمة العامية للغة العربية في معظم قنواتنا العربية الى إيلاء المنتجين إهتماماً اكبر للإعتبارات الفنية التسويقية على حساب الإعتبارات الثقافية والحضارية وبالنسبة للفضائية اليمنية فالوضع يتمتع بقدر من الصحة والعافية في هذا الشأن وهذا يجعلها من أفضل القنوات العربية تقديراً ومراعاة لهذا الجانب، وباستثناء المواد الدرامية المشتراه من الخارج والتي تنتج بعضها بلهجات محلية.. فإن جميع الأنماط البرامجية التي تغطي خارطة البث للفضائية اليمنية ملتزمة باللغة العربية الفصحى المبسطة.. لغة التخاطب والتفاهم العام، ولعل القصور في القدرات والمهارات اللغوية لدى أبناء الأمة من مختلف الشرائح لأسباب تاريخية وسياسية وثقافية، والصحافة إستطاعت أن توجد وتفرض مستوى آخر من اللغة العربية الفصحى المبسطة الملائمة لمختلف مستويات الفهم والثقافة اللغوية لدى شرائح الجمهور المختلفة، كما أ ن التلفزيون يحاول تقليص الهوة بين وسائل الإعلام والجمهور وهذا هو دوره الهام!!
لسان حال المؤسسات الثقافية والتعليمية.. أحد رجالات التربية والتعليم الذين كان لهم باع كبير في هذا المضمار طرح رأياً يتسم بالمزيد من الوضوح والصراحة.
> احمد جابر عفيف.. رئيس مجلس إدارة مؤسسة العفيف الثقافية.. يزعجه جداً الإستماع الى اللغة التي أصبحت لغة رسمية للقنوات الفضائية العربية، وهو يرى أنه لم يعد لها علاقة بالفصحى ولاحتى بما يسمى.. لغة الصحافة بل أصبحت لهجة دارجة لغة الشارع وقد يرجع ذلك الى إستبعاد البعد القومي في إستراتيجية القنوات الفضائية من حيث التركيز على الجانب التجاري لجذب البسطاء وذوي الثقافة المتوسطة، وعدم وضع النخب في الحسبان أي السير بمبدأ إرضاء الجمهور العام فقط.. ولم تعد من مخططات الاعلام رفع الذائقة العامة، ونشر مبادئ القومية العربية، ولاشك أن من أهم عوامل القصور.. هو التعليم حيث لايتم في المدارس التركيز على اللغة العربية كلغة تعامل في الفصل الدراسي، وتكون هم الكادر التربوي كاملاً من الإدارة الى أقل موظف ولعل نجاح الأعمال المدبلجة الى العربية لا يخفى على أحد وقد نجحت في نشر كثير من الكلمات الفصحى التي كان يخشى عليها من الإندثار..
لكن تعميم التجربة على الأعمال العربية تحتاج الى كثير من التبصر والحذر.. كون الأول ترجمة عن لغة اجنبية الى اللغة الأم أما الثاني فهو نقل لواقع بلهجة البلد التي يمكننا فهمها وقد ربما نحتاج الى ان تكون اكثر دقة في إختيار لغة أقرب الى الفصحى ولاتبعد كثيراً عن عامية البلد المنتج..!!
> مدير برامج الفضائية والقناة الأولى اليمنية.. علي صلاح أحمد، تحدث بصفته مختصاً ومسؤولاً عن تلك البرامج التي تتخذ العربية الأم لساناً لها ولحالها وقال في رأي يحمل كل الموضوعية.
«... أعتقد أو أزعم أن السبب الأساسي وراء ذلك إن كان فنياً فهو صعوبة أن توجد أية قناة ما يكفيها من الكوادر في المجال الاذاعي.. من تلك التي هي مؤهلة في هذا الجانب بالذات تأهيلاً كافياً من حيث المعارف اللغوية وشروط الأداء ومايرتبط بها وطبعاً.. نسمع مايقال من أن هناك أهدافاً أخرى غير فنية تتمثل في محاربة اللغة العربية كقاسم مشترك بين أبنائها، والهدف من وراء ذلك إضعاف الأمة العربية وثقافتها والنيل من خصوصيتها كأمة واحدة ومايترتب عليه ذلك من عجز في تقديمها لذاتها وموروثها.. بإعتبار اللغة هي الوعاء الأساسي لذلك ومن ثم صعوبة التواصل بينها وبين الآخر وبينها بعضها البعض.. إذ كل يغني على ليلاه، وبطريقته الخاصة.
وشخصياً استبعد ما اسميته بلعنة السياسة، ولكن الأمور إن أخذت ككل لايتجزأ سنحمل أجهزة الاعلام والفضائيات بعض المسئولية في ذلك، والبعض الآخر يقع وزره على ضعف المنهج.. نعم، من حيث كونه غير قادر على خلق العلاقة الوطيدة والحبيه بين الطالب ولغته فالتعقيدات المنفرة تجعلها مادة ثقيلة لاتستساغ وهذا يعني أن اللغة العربية خالية من العيب ويدلل على ذلك نجاح المسلسلات الناطقة باللغة الفصحى أو مايسمى بالمدبلجة.. حتى أن كل الإدعاءات التي إنتثرت في طريقها منذ أزمان مختلفة تحولت هباء وذلك يعود الى قوتها كما أشرت وسلامتها من العيوب وقدرتها على استيعاب العصر بإيقاعه.. بل والعصور القادمة كأية لغة حية قابلة للتجدد واستيعاب الآخر.. هذا من حيث إمكاناتها الفنية والعلمية، أما جمالها في صويتاتها ومخارج حروفها فذلك لايضاهي، وأحسب أننا لو أنتجنا مسلسلات أو اعمال أساسها اللغة الفصحى ووفقاً للشروط والمواصفات الصحيحة لأحسنها الى لغتنا وأنفسنا وقدمنا أعمالاً ناجحة وبإمكانك أن تضرب مثلاً للقارئ بمجموعة المسلسلات التي انتجت خلال السنوات الأخيرة منذ 1994م بدءاً بالجوارح وإنتهاء بالمسلوب وأضنها مثالاً أفضل على المسلسلات المدبلجة بمافيها من السذاجة إما من حيث الموضوع وبعده عن اللغة وأدائها أو من حيث محاولة الناطقين بالعربية ملاحقة مايسمى بالمشافهة والتي لاتخفى على ذي عين.. وإن كان هناك رؤية أخرى تقول بأن العامية هي فصحى كسولة أهمل الناطقون بها شؤون التصريف والإعراب وشوهوا مخارج الحروف، فلماذا نقر بما يسمى باللحن الذي يعني الخلل.. بل ونتساءل لماذا الكسل ولماذا التشويه وعلم النفس وفقه اللغة يشيران جميعها الى أن الناطق بلغة سليمة أياً كانت العربية أو غيرها.. الناطق باللغة الأم الفصيحة تكون ردود أفعاله أرقى واكثر تحضراً كما يقال من حيث محافظتها على الآداب العامة ومايظهر فيها من سمو في التخاطب والتلقي ولو استطعنا أن نوصل هذه الفكرة الى عامة الناس لأحسنا الى اللغة واليهم»..
> الكاتب محيي الدين عبدالحميد يقول في هذا الصدد: «... فإذا استعرضنا برامج التلفزيون والاذاعة في معظم البلاد العربية لوجدنا ان نسبة ما تبثه بالعامية تزيد عما تبثه بالفصحى، ولاسيما في الاعمال الدرامية والمنوعات التي يندر فيها استعمال الفصيح من اللغة بحجة ان وسائل الاعلام تخاطب الجمهور ككل، وكون هذا الجمهور ذو ثقافات متباينة ونتيجة للابتذال واستخدام الالفاظ والكلمات الهابطة من طرف الاعلاميين وعدم الحفاظ على الحد الأدنى من الأصول والقواعد اللغوية أدى الى الاستخفاف بقواعد العربية، كما ادى ذلك الى الترويج للسوقية وشيوع الكلمات والمصطلحات غير اللائقة..».
اللغة العربية هي اللغة الأم.. لغة القرآن الكريم، تعاقبت عليها الأجيال والحضارات والثقافات المختلفة التي استطاعت شيئاً فشيئاً أن تضعف من مكانتها في القلوب لتمثل مرتبة دنيا في ممارساتنا اليومية وقراءاتنا الثقافية والأدبية.
ولعل التجاهل لكل المحاولات الاستعمارية لطمس معالم هذه اللغة يجعلنا نشعر بأننا في زمنٍ يفقد قيمة وأخلاقه المنبثقة من لغته واحترامه لها.
وليس لنا إلاّ أن نبكي على أطلال العربية الفصحى.. وتبقي قطرات دمعنا روائح تعطر كفن تلك الأطلال.

تم بحمد الله...


اخوكم رائد المصري